نصر حامد أبو زيد

70

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

خديجة فقلت : دثّروني ، فدثّروني ، فصبوا عليّ ماء فأنزل اللّه ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) « 1 » . وإذا كانت هذه الرواية كما يبدو في منطوقها تشير إلى أن النبي سبقت له رؤية الملك حيث أشار اليه بضمير الغياب « فإذا هو على العرش في الهواء » فمعنى ذلك أنها لا يمكن إلا أن تكون المرة الثانية ، وتكون المرة الأولى هي التي نزلت فيها آيات سورة « العلق » . من هذا المنطلق لا تستقيم الرواية الأخرى التي يوردها المفسرون والتي تجعل نزول آيات سورة « المدثر » بعد اعلان الرسالة والدعوة ، وهي رواية ترد في السيرة على النحو التالي : أشد ما لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قريش أنه خرج يوما فلم يلقه أحد من الناس إلا كذّبه وآذاه ، لا حرّ ولا عبد ، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى منزله ، فتدثر من شدة ما أصابه فأنزل اللّه تعالى عليه : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ » « 2 » . والأقرب إلى سياق تجاوب النص مع حالة المتلقي الأول تلك الرواية التي يرويها الزمخشري عن الزهري : أول ما نزل سورة اقرأ باسم ربك إلى قوله : ما لم يعلم ، فحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجعل يعلو شواهق الجبال ، فأتاه جبريل فقال : انك نبيّ اللّه ، فرجع إلى خديجة وقال : دثروني وصبوا عليّ ماء باردا ، فنزل يا أيها المدثر « 3 » . كان محمد اذن حائرا بعد تجربة الاتصال الأولى لا يدري ما ذا أصابه . كان يريد أن يقرّ له قرار ، ويتشوف إلى ما يطمئنه على صحة قواه العقلية ربما . ولعله كان شاكّا في أن ما أتاه في المرة الأولى كان وحيا من ربه الذي طال تشوقه إلى معرفته . ولا شك أنه تحت وطأة هذا الشعور أصابته الرعشة ، وأحس بالبرودة تسري في أطرافه شأن من أصابته الحمى ، فهرع إلى زوجته خديجة التي راحت تلقي عليه الأغطية محاولة أن تخفف من آلامه الجسمية وأن تبدد مخاوفه . ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تصيبه فيها هذه الحالة ، فقد عاد إلى خديجة بعد تجربة الاتصال الأولى ترتجف بوادره فطمأنته بكلماتها أولا ، ثم صحبته إلى « ورقة بن نوفل » - أحد المتحنفين الذين اختاروا النصرانية - ثانيا . بل لقد حاولت خديجة - متأثرة دون شك بحالة محمد - أن تختبر هذا الذي يأتيه ويتراءى له في كل مكان هل هو ملك أم شيطان ؟

--> ( 1 ) مختصر صحيح مسلم : الجزء الأول ، ص 25 . ( 2 ) الجزء الأول : ص 260 . ( 3 ) الكشاف : الجزء الرابع ، ص 180 .